Yahoo!

العلمانية وثقافة السلام

كتبها د. أحمد إدريس الطعان ، في 24 شباط 2007 الساعة: 14:19 م

العلمانية وثقافة السلام

د. أحمد إدريس الطعان- كلية الشريعة جامعة دمشق

بريد إلكتروني :   ahmad_altan@maktoob.com

في الوقت الذي كان فيه الإنكليز يحتلون البلاد العربية والإسلامية ، ويرتكبون الفظائع من قتل وتدمير وإبادة وتجويع وتجهيل في العراق ، والهند ، ومصر ، كان سلامة موسى يتغزل بالإنجليز فهم ""النظاف الأذكياء "" ([1]). وهم "" أرقى أمة موجودة في العالم ، والخلق الإنجليز يمتاز عن سائر الأخلاق، والإنسان الإنجليـزي هـو أرقى إنسان من حيث الجسم والعقل والخلق"" ( [2])، ثم دعا إلى التعاون معهم وهم يحتلون البلاد ، ويقتلون العباد فقال : "" فنحن إذا أخلصنا النية مع الإنجليز فقد نتفق معهم إذا ضمنا لهم مصالحهم ، وهم في الوقت نفسه إذا أخلصوا النية لنا ، فإننا نقضي على مراكز الرجعية في مصر ، وننتهي منها ، فلنول وجوهنا شطر أوربا "" ( [3]) .

هذا هو ثمن السلام بنظر سلامة موسى أن نتعاون مع الإنجليز ، ونضمن لهم مصالحَهم ، ومصالحُهم أن يظلوا جاثمين على صدر مصر ، ينهبون خيراتها ويستـذلون أهلها ، ويدوسون كرامتها ، ولكن هذا لا يشكل خطراً على سلامة موسى لأنه سيظل هو والنخبة الربيبة ينعمون بالرفاهية ، ويتمتعون بالخيرات ما دام أسيادهم راضين عنهم ، آمنين لجانبهم .

والربح الذي يحققه سلامة موسى من التعاون مع الإنجليز هو القضاء على الرجعية ، والرجعية المقصودة عنده والتي يحلم بالقضاء عليها هي الأزهر الذي يبث فينا ثقافة القرون المظلمة ، وشيوخ الأزهر المأفونين ، الذين لا يكفون عن التوضؤ على قوارع الطرق ([4])  . أليس هذا هو الفاشيست الذي يتحدثون عنه ؟! .

 واليوم يدعونا طارق حجي إلى الإيمان بحتمية الوصول إلى السلام مع إسرائيل ، وعلينا أن نكافح لترسيخ ثقافة السلام بدلاً من ثقافة العدوان ([5]) وأن نسير على خطا السادات لكي تتجنب المنطقة السقوط في العنف والماضوية والتخلف والفقر ، وعلينا أن نقبل قيام دولة ديمقراطية لا دينية على كامل تراب فلسطين يتساوى فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون ([6]). ويعني هذا أن يتنازل الفلسطينيون عن مقدساتهم ، وعن حق العودة للمشردين من أبنائهم ويرضخوا لما يفرضه منطق القوة الإسرائيلي والأمريكي . إنها دعوة للاستسلام تحت عنوان:" الإيمان بحتمية السلام " .

أما مراد وهبة فالعلمانية بنظره هي الحل لمشكلة الشرق الأوسط في فلسطين ( [7]) ذلك أنه  يعرف العلمانية بأنها "" النظر إلى النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق ""( [8])، ويعني بذلك سيادة النسبية على كافة المستويات ، وإقصاء المطلقات من الوجود، لأنه لا وجود لحقيقة مطلقة ، والقول بها مجرد خرافة ، وسيادة المطلق يهدد السلام العالمي ، لأنها ستدخل في صراع كما هو الحال بين المطلقات الثلاثة الإسلامي اليهودي والمسيحي ، وليس من وسيلة لحل هذا الصراع إلا بالقضاء على المطلقات ، ويتم ذلك بنفي الدوجماطيقية " أي نفي علم العقيدة " لأن مفهـوم الحـرب كامن في هذا العلم ([9]) . لأن هذا العلم قائم على اليقين "" واليقين لا يمكن أن يكون إلا مغلقاً ، ولهذا فهو يؤول في المنتهى إلى الدوغمائية التي تُترجَم تعصباً وتحزباً وربما عنفاً وإرهاباً "" ([10])  ومع أن هذا الكلام لا يرضي الناطقين باسم الغائب والمدافعين عن العقائد وحراس النصوص كما يقول الخطاب العلماني ([11]) إلا أنه يقرر ذلك ليؤكد على أن الصراع العربي الإسرائيلي في النهاية هو صراع مطلقات ، والحل الوحيد في العلمانية لأنها المضاد الحيوي للأصوليات الدينية التي تغذي المطلقات وتتغذى منها ( [12])  ، وعلى ذلك بدلاً من شعار " الإسلام هو الحل " تصبح " العلمانية هي الحل " .

ولكن تجاهل مراد وهبة هنا أن العلمانية تصالحت مع الصهيونية واليهودية وبررت لهم وجودهم في فلسطين ، وشرّعت لاستمرارهم فيها على حساب العرب والمسلمين الذين لم يربحوا شيئاً ، ولم يحصلوا على شيء من علمانية مراد وهبة ،  إلا إذا كان مراد وهبة وأمثاله سيجيبون بأن الربح العربي يتمثل في النجاة من القنابل النووية الإسرائيلية ، وهذا ما لا يحسب الأصوليون المسلمون حسابه ، لأن الخوف من الموت لا يردعهم عن المطالبة بحقوقهم ولديهم من الآليات والوسائل " الإرهابية " ( [13])  ما يجعل إسرائيل تفقد صوابها .

بقي أن نتساءل :

ألم تتحول علمانية مراد وهبة إلى مطلق هي أيضاً ينفي المطلقات الأخرى ؟ فإذا قرر هو وشيعته أن " العلمانية هي الحل " وقرر المسلمون بشكل مطلق أن " الإسلام هو الحل " وقررت إسرائيل أن " التلمود هو الحل " أفلا تدخل العلمانية هنا طرفاً جديداً فيما يسميه " صراع المطلقات " ، وبالتالي فإن أية رؤية تُطرح على أنهـا الحل هي بنظر أصحابها مطلق على الآخرين أن يرضخوا ل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

منافع العمامة

كتبها د. أحمد إدريس الطعان ، في 23 شباط 2007 الساعة: 15:13 م

 

 

 

 

 

منافع العُمامة

"  أثر القدوة في المجتمع "

 

د. أحمد إدريس الطعان

         كلية الشريعة – جامعة دمشق

بريد إلكتروني : ahmad_altan@maktoob.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

إذا بحثنا في المكونات الأساسية لمعتقدات وآراء الناس فإننا سنجد للقدوة أو النموذج أثراً كبيراً في تشكيل المعتقد والرأي لدى جمهور الناس، فالناس يقلدون في الغالب النماذج التي يظنون أنها متفوقة أو سائدة،  ومن هنا فقد ألح القرآن الكريم على أهمية القدوة في حياة الأمة ، فأرشد نبيه r إلى التأسي بحال الأنبياء السابقين وذلك بقوله عز وجل : ] أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [ ([1])  وذكّره بصبرهم وعزمهم  ]فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل [ ([2])  وأرشد الأمة إلى ضرورة التأسي بسيد البشر محمد رسول الله r فقال جل شأنه : ] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِير [([3])   ، كما أن جانباً كبيراً من الوحي القرآني  كان في أساسه قصصاً للأنبياء السابقين الذين جاهدوا وصبروا أمام قوى الشر والفساد في العالم ، والغاية من ذلك هي أن نتمثل هذه النماذج الصالحة لكي نهتدي بها ونترسم خطاها ]َقدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [([4]) ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[ ([5])

المطلب الأول

القدوة المثالية

إن كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسل  يفيضان بنماذج مشرفة يُراد للأمة أن تهتدي بها، وكذلك يعرضان نماذج منحرفة وخاسرة لكي نتجنبها ونعتبر بها] لقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ ([6])، إن السمة الأساسية للوحي أنه يعلي دائماً من شأن الفضيلة والفضلاء ، ويذكر النماذج المتنوعة لذلك فيمتدح الحلم والصدق والإخلاص والجهاد والعفة واليقين والصبر، ويذكر لكل خلق من هذه الأخلاق نموذجاً أو نماذج مُشخَّصة تجعله قريباً من الإنسان وداخلاً في الحيز البشري .

فيوسف عليه السلام مثال عظيم للعفة والتسامح فقد قال لامرأة العزيز التي دعته إلى الفاحشة ]  قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ[   ([7]) وقال لإخوته الذين ظلموه ] قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين [  ([8])

وإبراهيم عليه السلام مثال عظيم للصدق والجهاد والتضحية } وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيا {  ([9])  } فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ *‏ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ { ([10]) 

وموسى عليه السلام مثال عظيم للأمانة والعفة والقوة } قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ { ([11])  وأيوب عليه السلام مثال عظيم للصبر } إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ {([12]) ولقمان للحكمة، وآدم للتوبة، ومحمد صلى الله وسلم عليه وعليهم جميعاً للرحمة ..

هذا بالإضافة إلى ما تعج به كتب السيرة والسنة من قصص ونماذج رائعة تحكي حال الرعيل الأول فتعلي دائماً من شان الفضائل وتحط من شأن الرذائل : فعمر هو مثال للعدل والقوة في دين الله عز وجل ، وأبو بكر هو مثال لليقين المطلق والتصديق الراسخ وعثمان مثال للبذل والعطاء والحياء وعلي كرم الله وجهه للشجاعة والعلم والتضحية وغير ذلك رضي الله عنهم جميعاً .  

إن هذه النماذج المشرّفة في ديننا هي التي تشكل وعينا وعقلنا وتوجه مسيرتنا في الحياة ، إننا نستمد منها الثقة والإيمان ، ونعيش فيها وتعيش فينا وتغذي عقولنا وأرواحنا .   

إن الداعية الذي يتعرض للمصاعب والمشاق يتذكر ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في سبيل إبلاغ الدعوة فتهون أمامه كل الصعاب لأنه يدرك أن كل ما يلقاه ليس شيئاً بجانب ما لقيه الرعيل الأول خلال سنوات التبليغ ، فهو يتذكر : التراب الذي يرمى على وجهه صلى الله عليه وسلم ويتذكر سلا الجزور، ويتذكر أذى الطائف، وشعب أبي طالب ويتذكر سمية وآل ياسر وبلال وعمار ..

وإن الاستشهادي حين يلغم نفسه بالمتفجرات ويتجه إلى العدو ليدك معاقله دون خوف يستعرض في ذاكرته شريطاً يرى فيه حمزة وحربة وحشي تخترق أحشاءه، ومصعب يحمل اللواء لا يتخلى عنه حتى تتناوشه السيوف، وزيد بن حارثة وجعفر الطيار ، وابن رواحة وزيد بن الدثنة وخبيب وغيرهم وعمر المختار الذي قال للإيطاليين : نحن لا ننهزم ننتصر أو نموت ، ثم قوافل الشهداء الفلسطينيين الذين يتساقطون كل يوم، إن كل ذلك يجعله يستهين بالموت ويستصغر الحياة، ويعد نفسه في الطريق الصحيح للقافلة. إنهم ينتظرونه هناك حيث السعادة الأبدية !!.

المطلب الثاني

إسقاط القدوة

 قال أصحاب البروتوكولات "" وقد سبق لنا فيما مضى من الوقت أن بذلنا جهداً لإسقاط هيبة رجال الدين عند الغوييم ، وقصدنا بذلك أن نفسد عليهم رسالتهم في الأرض ، وهي الرسالة التي يُحتمل أنها لا تزال بنفوذها عقبة كؤوداً في طريقنا .. ولا نرى هذا النفوذ إلا في تناقص يوماً بعد يوم "" ([13])  ولما للقدوة من أثر عظيم في تشكيل وعي الأمة وذاكرتها وحاضرها ومستقبلها فقد جهد أعداء الإنسانية إلى فصل الأمة عن نماذجها العليا ومثلها السامية .   

فكانت أغلب جهودهم تحاول التشويش على صفاء العصر الذهبي الأول والتعكير على نقاء صورته . فكتب الكثير من المستشرقين بدوافع من الحقد الأسود والعصبية العمياء عن سيد ولد آدم ، والمثل الأعلى للبشرية كلاماً لا يمكن تصنيفه لشدة بعده عن الحق ومجافاته للواقع إلا أنه هذيان مجانين وتخريفات معتوهين .

حتى أنه قام من بينهم قائم وشهد شاهد من أنفسهم أنهم قد جاوزوا الحد في الظلم وبلغوا الغاية في الافتراء ، وأنه عليهم أن يهوّنوا قليلاً من سعار غيظهم، وأن يلبسوا قليلاً من الحق في كثير إفكهم لكي يتسنى له أن يتسلل إلى بعض العقول . ([14])

والهجمة التي حصلت مؤخراً في الدانمارك تسير في هذا الإطار وهو توهين الصلة بين المؤمنين ونبيهم r ، وكسر حاجز الثقة والقداسة الذي يلف المؤمنين حول مركزهم وقدوتهم . وقد لحق بهؤلاء مجموعة من الأذناب الذين عاهدوا أعداء هذه الأمة أن يظلوا أوفياء لهم خدماً يقومون بكل ما تتطلبه الخدمة ، وأبواقاً يرددون في أوطانهم وبلدانهم ما ينفخه الغرب فيهم من بعيد ([15]) .

ومن هؤلاء محمد أركون الذي يرى أن نعيد النظر في كل المسلمات التراثية والعقائد الدينية التي يتلقاها المسلم منذ الطفولة  ([16]). ولا بد من التحرر من ثنائيات الإيمان والضلال والعقل والنقل والوحي والحقيقة ([17]). ولن يتم ذلك إلا بتطبيق منهجية النقد التاريخي على التراث العربي والإسلامي ، لا بد أن نسير في نفس الطريق الذي سارت فيه أوربا ولا بد أن تهز المسلمين هزاً  ولا بد أن يدفعوا الثمن ([18]).

علينا أيضاً بنظر الجابري أن نتحرر من سلطة السلف والإجماع والقياس لأن هذه السلطات تلغي العقل وتجعله لا يفكر إلا انطلاقاً من أصلٍ أو بتوجيه منه أو انتهاءً إليه . ([19])

إن القرآن الكريم يخلع القداسة على نفسه وعلى عمل النبي r بنظر الخطاب العلماني ويجعل الأحداث التاريخية التي حصلت في زمن النبي r أحداثاً ذات دلالات كونية تتجاوز خصوصيتها المحلية وتتخذ صفة الكونية ، وتصبح وكأنه لا علاقة لها بحدث محدود وقع في التاريخ المحسوس ([20]) . 

"" وهكذا ينجح القرآن في محو كل التفاصيل والدقائق التاريخية للحدث ويصبح خطاباً كونياً موجهاً للبشر في كل زمان ومكان، وهكذا يفقد صفته التاريخية فيبدو وكأنه خارج التاريخ أو يعلو عليه ""   ([21]) هذه المحاولات من القرآن الكريم هي بنظر الخطاب العلماني محاولات إيدولوجية، أي أن القرآن يفعل ذلك ويتعالى بالتاريخ لمقاصد وأغراض دنيوية ومن مهام أركون والمثقف العربي عموماً كما يرون "" الخروج من السياج الدوغمائي المغلق الذي تم ترسيخه وتشغيله وإعادة إنتاجه من قبل المؤسسات الدينية على مدى قرون طوال ، وهذا السياج تمثل بالدائرة الأيديولوجية التي افتتحها القرآن الكريم وعمل النبي صلى الله عليه وسلم ثم وسعت وضخمت فيما بعد من قبل العلماء والفقهاء "" . ([22])

وهكذا يريد أن يقف أركون في وجه القرآن الكريم ويتصدى له لأن القرآن يرسخ الأدلجة والأسطرة والتقديس، وهو يريد تشكيل معرفة معادية للخداع والأسطرة والأدلجة والتقديس ([23]). فالقرآن الكريم "" يغطي على تاريخانيته ببراعة عن طريق ربط نفسه باستمرار بالتعالي الذي يتجاوز التاريخ الأرضي كلياً أو يعلوا عليه "" ([24]).

إن ما يريد أن يقرره الخطاب العلماني هو أن القرآن الكريم من خلال آياته وقصصه يرسم للمؤمنين به نماذج سامية جداً ، أو بحسب تعبيرهم متعالية عن التاريخ الأرضي، ويجعل هذه النماذج قدوة للمؤمنين على مر العصور، ينظرون إليها بتقديس وإعجاب وانبهار ويحاولون محاكاتها والاقتراب منها في كل المجالات ، والمهمة التي أخذها أركون وغيره من العلمانيين على عواتقهم هي أن يقوموا بالكشف عن أرضية هذه القداسة وزيفها وإعادتها إلى حيِّز الإنسان أو حيِّز المادة .

وقد كانت جهود أركون في كل كتبه هي محاولة لهدم الثقة بين الأمة وكتابها القرآن الكريم أولاً ، وهدم الثقة بيم الأمة وعصرها الأول، ذلكم العصر الذي يمثل القدوة المثالية التي تسعى الأمة دائماً لمحاكاتها في كل زمان ومكان .

ومشى في هذا الطريق عدد من هؤلاء العابثين ومن أبرزهم : خليل عبد الكريم في كتابين له، الأول : " شدو الربابه في مجتمع الصحابة " ، والكتاب الثاني " مجتمع يثرب " . وقد وقف في هذين الكتابين عند الأخطاء والعثرات ، أو الأخبار الكاذبة المزورة، وقام بحشد كل ذلك في كتابه على مدى ثلاثةٍ وخمسين عاماً ، أي عهد البعثة النبوية والخلافة الراشدة، وقصد من ذلك أن يرسم صورة مزرية قاتمة للعهد الأول، ويستغرب كيف يغفل العلمانيون - وهم لم يغفلوا-  عن دراسة الحقبة النبوية التي يتأكد من خلال دراستها بالدليل الأبلج أنها حقبة منغمسة في التاريخية ، وعندها - بنظره وبنص عبارته "" سوف ينقمع المناوئ ، وينخنس المعارض ، ويتوارى المشاكس وينكسف المعاند "" لأنه سيرى "" الحجج البواهر والبراهين السواطع والأدلة والرواسخ على صحتها وثبوتها ""  أي التاريخية "([25]).

 ومثله كان سيد محمود القمني في عدد من كتبه ومن أبرزها "" حروب دولة الرسول r " و " الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية " و " النبي إبراهيم والتاريخ المجهول " وغيرها ، ومثله فرج فودة ونبيل فياض ، وشاكر النابلسي ومحاولاتهم المحمومة لطمس الشمس النبوية ، وإثارة الغبار أمام نورها لكي تضل القافلة عن الطريق .

إن القدوة المتمثلة في شخص رسول الله r والعهد النبوي والراشدي والتابعي تشكل للأمة الإسلامية معيناً لا ينضب من العطاء والغذاء والدواء والنشاط، فهو المجد المشرق الذي نلوذ به أثناء لحظات الذل والهوان ، وهو العدل النادر والمساواة الحقة التي نفخر بها أثناء لحظات الظلم والجور والاستبداد والقهر، وهو النصر المؤزر ، والفتح المبين الذي نستعيد من خلاله آمالنا، ونشحذ به طاقاتنا أثناء لحظات الهزيمة والانكسار، وهو الحصن الحصين الذي نأوي إليه من كل عاديات الزمان ، ومن أجل ذلك يحاول الأعداء هدم هذا الحصن ، وكسر هذا الحاجز المتين لنصبح في العراء في مرمى ضرباتهم ، وموقع رمياتهم .

 

 

 

المطلب الثالث

صناعة النماذج

لقد أدرك الغرب عبر جهود علمائه النفسيين والتربويين والاجتماعيين ما للقدوة من أثر في تكوين سلوكات المجتمع ، وتشكيل طموحاته وغاياته فتحدث غوستاف لوبون في كتابه الآراء والمعتقدات عن النفوذ العظيم الذي يمارسه النجوم في المجتمع عن طريق إشاعة ما يسمى " العدوى النفسية " ([26])، وأكد على ضرورة أن يعتني المجتمع باختيار نجومه في العلم والأخلاق والتربية وأن يحسن " التنجيم " أي إصعاد النافعين المصلحين، وإجهاض الهابطين المفسدين ، بعكس ما يحصل اليوم عموماً في بلادنا الإسلامية  .

إن الجمهور في الغالب يتأثر بالنجم المتألق الذي يحظى بالشهرة والمديح والإطراء في المنابر الإعلامية المختلفة فيسعى جاهداً لتقليده ومحاكاته بأشكال مختلفة حتى في شكلياته وكلماته وحركاته , وقد أدرك ذلك أرباب المال ، وأصحاب الشركات والبضائع والسلع المختلفة، فتجدهم اليوم يتنافسون على اصطياد النجوم وربط منتجاتهم وسلعهم بهم ، ويدفعون لذلك مبالغ خيالية فيُدفع للمثل عادل إمام  مليون جنيه ليظهر في إعلان مدته دقيقة فيرفض ، وتظهر " يسرا " في إعلان لعلبة سمنة تقول : " الطبيعي يكسب " وأبو عنتر في " صابون الأهلية " وفي مباريات كأس العالم سنة 2002 م كنت أسمع في الأخبار كيف يدفع لأحد اللاعبين 8 مليون جنيه استرليني من أجل مباراة يلعبها من أحد الفرق الرياضية ، ولاعب آخر مرتبه الشهري 200 ألف دولار أي ما يعادل مرتب موظفي دولة بأكملها من دولنا الفقيرة، وكلنا يعلم كم اكتسح اللاعب ماردونا عقول الجماهير وأصبح اسمه يُرسم على كل أنواع الألبسة من أجل هدف أدخله في المرمى .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جذور العلمانية

كتبها د. أحمد إدريس الطعان ، في 22 شباط 2007 الساعة: 19:02 م

جذور العلمانية

( 1 )

الفكر الرشدي والممانعة الكنسية

بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم د . أحمد إدريس الطعان
بريد
إلكتروني : ahmad_altan@maktoob.com


الفكر الرشدي وبوادر العلمنة :
درج بعض الباحثين على البدء بالتاريخ للعلمانية منذ عصر النهضة الذي يؤرخ لبدايته عادة مع فتح القسطنطينية في عهد السلطان محمد الفاتح سنة 1453.


كما درجوا عادة على اعتبار مساوئ الكنيسة واضطهادها وتاريخها الأسود هو الذي أنتج العلمانية. بيد أننا إذا رجعنا إلى الوراء قليلاً إلى القرن الثالث عشر سنجد أن بدايات الصراع بين الفكر والكنيسة يمكن أن يعتبر من آثار ترجمة الفكر الرشدي إلى اللغة اللاتينية ، وبالتالي فيمكن القول : إن الفكر الرشدي العلماني – بالاعتبار الغربي - هو الذي أنتج الاضطهاد الكنسي ، ثم إن هذا الاضطهاد ساهم في شيوع الفكر الرشدي وانتشاره في الغرب ، ذلك أنه من المعروف في تاريخ المـعتقدات والآراء أن أكـثر ما يسهم في انتشارها هو الاضطهاد والقمـع والمحاصرة.


لقد حرر الفكر الرشدي الغرب من سيطرة الكنيسة فبدأ يراجع مسلماته التي ظلت طيلة ألف عام فوق العقل ، ولا يجرؤ أحد على المجاهرة بما يناقض المسلمات الكنسية . وقد تم ذلك على يد ميشيل سكوت فهو أول من أدخل ابن رشد إلى اللاتين في القرن الثالث عشر ، وجميـع كتب ابن رشد المهمة تقريباً تُرجمت من العربية إلى اللاتينية في أواسط القرن الثالث عشر. ومن المعروف لدى باحثي الفلسفة أن ابن رشد تبنى مذهب أرسطو وانبهر به انبهاراً لا يقل عن انبهار بعض المعاصرين اليوم بالفكر الغربي وسمي " الشارح " وعرف في الغرب بهذا اللقب لقد كاد ابن رشد أن يفضل أرسطو على الأنبياء واعتبره أكمل البشر حين قال : "" نحمد حمداً لا حد له ذاك الذي اختار هذا الرجل – أرسطو- للكمال فوضعه في أعلى درجات الفضل البشري التي لم يستطع أن يبلغها أي رجل في أي عصر كان "" .


وإذا كان العلمانيون اليوم يشيدون بابن رشد ويعتبرونه رائد عصر التنوير ، وسيد العقلانيين العرب ومطلق ثورة العقل العربي. ويهاجمون الفكر الإسلامي السلفي باعتباره فكراً تقليدياً ،ويُسمُّون دعاة هذا الفكر " ملاك الحقيقة المطلقة " ويتهمونهم بممارسة الإرهاب الفكري بالإقصاء والنفي فإن رائدهم هذا هو الذي ينفي كل الآخرين ويعترف بأرسطو وحده وذلك "" لأن مذهب أرسطو [ بنظره ] هو الحقيقة المطلقة ، وذلك لبلوغ عقله أقصى حدود العقل البشري ، ولذا فإن من الحق أن يقال عنه : إن العناية الإلهية أنعمت به علينا لتعليمنا ما يمكن أن نتعلم ""0


لقد تزامن انتقال الفكر الرشدي إلى الغرب مع عاملين :
العامل الأول : الفتح الثقافي الإسلامي والعربي للبلاد الأوروبية .
فقد كان هذا الفتح هائلاً ولم يكن ابن رشد وحده هو الذي يحتل الساحة الثقافية الأوربية بل أعلام كثر ، يقول أحد علماء اليهود مبيناً هذا الأثر : "" إنه لم يبق بين اليهود الخاضعين للعرب واحد لم يترك دين إبراهيم ، ولم تفسده ضلالات العرب أو ضلالات الفلاسفة "" .

وقد بلغت السلطة الثقافية العربية في الغرب آنذاك أن بعض الأعلام الغربيين مثل أولهرد فـون باث يعتـرف بأنه كثيراً ما نحل أفكاره الخاصة مؤلفين عرباً حتى تظفر بالرواج. والشاعر الفرنسي " فولشير الشارتي " سحره العرب أثـناء الحروب الصليبية بأخلاقهم وحضارتهم فقال : "" أفبعد كل هذا ننقلب إلى الغرب الكئيب ، بعدما أفاء الله علينا وبدل الغرب إلى الشرق "".


وبين أيدينا نص طويل ولكنه يجلي الصورة بوضوح للعلاقة الثقافية آنذاك بين المسلمين والغرب يقول أسقف قرطبة " ألقارو " إن كثيرين من أبناء ديني يقرؤون أساطير العرب ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين ليس ليدحضوها ، وإنما ليتقنوا اللغة العربية ، ويحسن التوسل بها ، وأين نقع اليوم على النصراني من غير المتخصصين الذي يقرأ التفاسير اللاتينية للإنجيل ؟ وحسرتاه ! إن الشباب النصارى جميعهم اليوم الذين لمعوا وبذوا أقرانهم بمواهبهم لا يعرفون سوى لغة العرب والأدب العربي … منفقين المبالغ الطائلة في اقتناء الكتب العربية ، ويذيعون جهراً في كل مكان أن ذلك الأدب العربي جدير بالإكبار والإعجاب ، ولئن حاول أحد إقناعهم بالاحتجاج بكتب النصارى فإنهم يردون باستخفاف : ومصيبتاه ! إن النصارى قد نسوا حتى لغتهم الأم فلا تكاد تجد اليوم واحد في الألف يستطيع أن يدبج رسالة بسيطة باللاتينية السليمة ، بينما العكس من ذلك لا تستطيع إحـصاء من يحسن منهم العربية تعبيراً وكتابة وتحبيراً . بل إن منهم من يقرضون الشعر بالعربية حتى لقد حذقوه وبذوا في ذلك العـرب أنفسهم ""


هذا العامل جعل الغربيين كما هو ملاحظ من النصوص ينبهرون بالحضارة الإ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أشكال الاستدلال في الحوارية القرآنية

كتبها د. أحمد إدريس الطعان ، في 22 شباط 2007 الساعة: 18:51 م

 

أشكال الاستدلال في الحوارية القرآنية

  

د. أحمد إدريس الطعان

 كلية الشريعة جامعة دمشق

بريد إلكتروني :   ahmad_altan@maktoob.com

 

       تمهيد :

كلمتا الحوار والجدل تسيران دائماً جنباً إلى جنب في مسيرة الفكر الإنساني وقد تعاورت الكلمتان الدلالة في كثير من الأحيان واستخدمتا بمعنى واحد أو مختلف لدى كثير من الدارسين فقالوا : في البدء كان الحوار ([1])، وقالوا الجدل ظاهرة إنسانية لازمت الإنسان منذ وجد في هذا الكون([2])  ، بل قالوا الجدل ظاهرة كونية لوجودها في غير الأجناس البشرية كالملائكة وإبليس ([3]) .

ولأن كل مسلم رضي بالله عز وجل رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد r  نبياً مكلف بالدعوة إلى الإسلام ، والدفاع عنه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذه رسالة كل مسلم في حياته .

وانطلاقاً من هذا المبدأ الذي حث القرآن الكريم عليه نهض المسلمون بواجبهم في الدعوة والدفاع ، ولما كان الداعية والمدافع لابد وأن يلتقي بكل أصناف الناس ويصطدم بمختلف التيارات والثقافات والاتجاهات ، فلا بد له من إتقان أساليب الدعوة والدفاع المتمثلة في الحوار، والجدل بالحسنى، وأصول الدعوة والمناظرة ، ونجد أمثلة كثيرة من القرآن الكريم في مجادلة اليهود والنصارى والمشركين والثنوية ، ومنكري النبوات وغيرهم .

وهذه مقاربة لاستجلاء الأشكال التي سلكها القرآن الكريم في محاورة الإنسان ومخاطبته بالحكمة والموعظة الحسنة وقد جاءت في تمهيد ومطلبين وخاتمة .  

 المطلب الأول

تعريفات ونماذج في الحوار الجدلي

أولاً : تعريف الحوار والجدل والعلاقة بينهما :

الحوار في اللغة من الحوَر : وهو الرجوع والتردد بين شيئين ، والتحاور من التجاوب والمحاورة ، وحاورته : راجعته في الكلام ، وكلمته فما رد علي محورة ، وما أحار جواباً : أي ما رجع . والمحاورة : مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة .

وأما الجدل فله معاني لغوية كثيرة منها : اللدد في الخصومة والقدرة عليها ، وهذا المعنى مشتق من معاني أخرى منها : الفتل أو شدة الفتل ، ومنه زمـام مجدول أي مفتول .

ومنها : القوة والاشتداد ولذلك قيل للصقر الأجدل لقوته .

ومنها : الصرع ، ولذا قيل جدله فانجدل وتجدل : أي صرعه على الجدالة وهي الأرض ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " أنا خاتم النبيين في أم الكتاب ، وإن آدم لمنجدل في طينتـه " ([4]) ومن معاني الجـدل الإحكام والانتظام ، ولذا قيـل للقصر المشرف " المجدل " وجدلاء ومجدولة : محكمة النسج ودرع جدلاء قال الحطيئة :

   فيه الجياد وفيه كل سابغةٍ                جدلاء محكمة من نسج سلام

ويدخل في هذا حسب ظني الجدول أي جدول الماء ، لانتظام جريانه وتناسقه . والجدل الناحية والطريقة والقبيلة ([5]).

اصطلاحاً : يعرف الباجي الجدل بأنه : " تردد الكلام بين اثنين قصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه " .([6])         

ويسرد الجويني تعريفات متعددة للجدل ، ثم يعترض عليها ويختار هو التعريف التالي : الجدل  " إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة ، أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة " ([7])   

ويلاحظ أن تعريف الجويني هذا يرتبط بالمعنى اللغوي ، ويعتصم به لأنه قائم على التدافع بين الخصمين لأن أحد معانيه اللغوية الصرع من المصارعة .

كما يلاحظ عليه أنه يدخل في الجدل المناظرات الشفوية والكتابية لأنه قال بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الدلالة والإشارة .

وعلى هذا يبدو أن الجدل لا يكون إلا بين اثنين متنازعين فأكثر وهو ما نلاحظه في تعريف الباجي السابق ، والجويني ، كما نلاحظه في تعـريف العكبري " ت : 616 هـ " التالي : الجدل هو :  " عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة ، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره " ([8])

أما الجرجاني فيعرف الجدال بأنه  : " عبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها " . ويعرف الجدل بأنه : " القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات والغرض منه إلزام الخصم وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان أو هو دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة . ([9])

ويبين لنا إمام الحرمين الجويني المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي الذي عرفه به العلماء فيقول : " إن قلنا إنه في اللغة للإحكام فكأن كل واحد من الخصمين إذ كان يكشف لصاحبه صحة كلامه بإحكامه وإسقاط كلام صاحبه ، سميا متجادلين  " .

وإن قلنا : إنه مأخوذ من الفتل ، فلأن كل واحدٍ من الخصمين يفتل صاحبه عما يعتقده إلى ما هو صائر إليه " . ([10]) وإن قلنا من الصرع فكأن الخصمين يتصارعان وكل واحدٍ منهما يقصد إسقاط كلام صاحبه بغلبته وقوته .([11])  

ومن مرادفات الجدل والمجادلة نجد المناظرة وهي " النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين شيئين إظهاراً للصواب " وقد يكون مع نفسه ، ومنها المكابرة وذلك إذا علم المجادل بفساد كلامه وصحة كلام خصمه وأصر على المنازعة ، ومنها المعاندة وهي المجادلة مع الجهل بالقضية التي يجادل فيها ([12]) .

ومنها المحاورة وهي المراجعة في الكلام ومنه التحاور أي التجاوب ، وهي ضرب من الأدب الرفيع ، وأسلوب من أساليبه ، وقد ورد في موضعٍ واحد في القـرآن الكريم }

وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {  ([13])  وقريب من ذلك المناقشة ([14]) .

          وقد وردت لفظة " الجدل " وما تصرف منها في القرآن الكريم في تسعة وعشرين موضعاً منها خمسة وعشرون موضعاً كان الجدل فيها مذموماً ، ومنها أربعة مواضع([15]) كان الجدل فيها محموداً ([16])، وهذا يعني أن أغلب الجدل والجدال مذموم يؤدي إلى المنازعة ، وليس فيه فائدة ،  كما يعني هذا أن من الجدل ما هو مفيد ومستحسن وذلك إذا تجرد من الأهواء، وحب التصدر ، والأنانية ، والقصد إلى الحق ، وإلى هذا قصد القرآن الكريم في الآيات المشار إليها في الهامش .

لقد كانت كلمة الحوار في القرآن الكريم أقل استعمالاً من كلمة الجدل فقد جاءت لفظة الحوار في ثلاثة مواضع اثنان منها في سورة الكهف في معرض الحديث عن قصة صاحب الجنة وحواره مع صاحبه الذي كان أقل مالاً ونفراً وقد كان من حوارهما : ([17])

} وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا { ([18])  }قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا { ([19])   والموضع الثالث الذي ذُكر فيه الحوار هو في سورة المجادلة وقد سبقت آنفاً الإشارة إليه .

والجدل كما يرى بعض الباحثين يحتوي على معاني الصراع والإغراق في الكلام في معظم أحواله ولذلك اتجه الفكر المعاصر إلى استبداله بالحوار وأهم ما في ذلك هو دعوة الفاتيكان في الوثيقة التي صدرت عام 1965 م ([20]).

والحقيقة أنه لا فرق بين مصطلحي الحوار والجدل فكلاهما يمكن استخدامه بشكل سلبي أو إيجابي وإذا كان الجدل يوحي بمعنى الصراع فإن الأصل فيه هو الدعوة إلى الجدل بالحسنى } وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ { ([21]) والاتجاه إلى الصراع واللدد والخصومة جاءت بسبب تمسك كل إنسان بهواه وإعجاب كل ذي رأي برأيه .

وهو ما يمكن أن يستحوذ على الحوار أيضاً ، بل إن الحوار اليوم يتخذ أشكالاً مراوغة ويسعى إلى إقناع الآخرين بأن يستسلموا أو يتخاذلوا تحت مسميات مختلفة ودعوات متسترة .  فالمشكلة الحقيقية هي في الإنسان نفسه وليس في الوسائل  . 

 المطلب الثاني

أشكال الاستدلال في الحوارية القرآنية

      لقد كان لكتاب الله عز وجل الأثر الأكبر في منـاهج المسلمين، إذ أننا سنجد أن القرآن الكريم يخاطب الناس بكل دلائل العقل البرهانية ، والجدلية ، والخطابية ، وذلك لكي يلبي كل حاجات الناس العقلية ومواهبهم وقدراتهم ، وقد انعكس ذلك في مناهج المتكلمين الإسلاميين، إذ نرى أن أكثر طرق الاستدلال التي استخدمها القرآن الكريم تتجلى في المنهج الكلامي الإسلامي مع فارق التعقيد والتفريعات المملة في الطريقة الكلامية والسهولة واليسر والبداهة في الطريقة القرآنية  :

      فقد استخدم القرآن الكريم قياس الأولى بشكل واسع النطاق وله تطبيقات كثيرة في كتـاب الله عز وجل : } وَلَهُ الْمَثَـلُ الأَعْلَى فِي السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ { ([22]) ومن أمثلة ذلك قوله عز وجل : } أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ   { . وقوله عز وجل :  } أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ { ([23]) . ففي هاتين الآتيين الكريمتين إثبات حكم الشيء بناء على ثبوته لنظيره بشكل آكد وأقوى لأن من خلق الشيء يكون قادراً على خلق مثله أو أقل منه ([24])  .

وقوله عز وجل } لَخَلْقُ السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ { ([25]) وقوله عز وجل : } وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ! قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ   ! الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ !أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ  !إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ { ([26]) فالذي يخلق من العدم من باب أولى قادر على الإعادة والذي يخلق الشيء من ضده  كالنار من الشجر الأخضر ، قادر على خلقه من عناصره ([27]) . وقوله عز وجل : } أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  { ([28]) . } وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ { ([29]).

  من أمثلة ذلك في الرد على النصارى قوله عز وجل : } إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{ ([30]) فإذا كان الخلق من غير أب مسوغاً لاتخاذ عيسى إلهاً فأولى بآدم المخلوق من غير أب ولا أم أن يكون هو الآخر إلهاً ، لكن لما لم يكن آدم إلهاً باعترافكم فمن باب أولى أن لا يكون عيسى إلهاً ([31]).

واستخـدم القرآن الكريم قيـاس الخلف ، وهو إثبـات المطلوب بإبطـال نقيضه وذلك في قوله عز وجـل : } لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ { ([32]). ويسمى هذا الدليل برهـان التمـانع أيضاً ، ومن أمثلته أيضاً في القرآن الكريم : } وَلَـوْ كَانَ مِنْ عِنْـدِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَـدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا { ([33]) . ففي الآية الأولى تعدد الآلهة باطل لأنه يورث الفساد فثبت أن الله عز وجل واحد .وفي الآية الثانية الاختلاف والتناقض باطل لا وجود له في القرآن الكريم فثبت نقيضه وهو أنه محكم معجز فهو لذلك كلام الله عز وجل ([34]).

واستخـدم القرآن الكريم قيـاس الغائب على الشاهد الذي يسمى أيضاً قياس التمثيل ([35]) ، ولكن الفرق كبير جداً بين استخدام القرآن الكريم له ، واستخدام المتكلمين ، فالقرآن الكريم يستخدمه لإثبات قدرة الله عز وجل بأمور مشاهدة للإنسان أو معلومة له بشكل قطعي بدهي لا تنكره العقول ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :  } وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ! قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ    !الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ !أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ  !إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ { ([36]) . وهي الآيات التي ذكرناها قبل قليل مثالاً لقياس الأولى .

   فالقرآن الكريم يقيس الغائب هنا وهو الإعادة بعد الموت على أمور معلومة قطعاً للإنسان وهو أنه وجد من لا شيء بعد أن لم يكن، أو على شيء مشاهد محسوس يراه الإنسـان بعينـه وهو استخـراج الحـار من الشجر الأخضر الرطب أي استخراج الشيء من ضده ([37]) .

 ومثل ذلك قوله عز وجل : } وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِـعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَـا الْمَـاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّـذِي أَحْيَـاهَا لَمُحْيِي الْمَـوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُـلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  { ([38]). فقياس الغائب هنا وهو إحياء الموتى على أمر مشاهد محسوس لا يشك فيه عاقل وهو حياة الأرض بعد جفافها ويبسها .

 هذا الاستخدام القرآني يختلف جداً عن استخدام بعض المتكلمين إذ جرت عادتهم على استخدامه في الصفات والأفعال الإلهية مما جر إلى كثير من الأخطاء .

 واستخدم القرآن الكريم التسليم الجدلي للخصـوم ثم كر على مقـالاتهم بالنقض والإبطال ومن أمثلة ذلك قوله عز وجل  : } مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُـلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَـقَ وَلَعَـلا بَعْضُهُـمْ عَلَى بَعْـضٍ سُبْحَـانَ اللَّهِ عَمَّـا يَصِفُونَ { ([39]). والمعنى ليس مع الله عز وجل إله ، ولو سلم ذلك لكم لزم من ذلك ذهاب كل إله بما خلق وعلوُّ أحدهما على الآخر ، فلا يتم في العالم أمر ، ولا ينتظم فيه حكم والواقع خلاف ذلك ، لأن نظام العالم قائم على أحسن حال ، والتناسق الموجود في الكون غاية في الجمال ، فبطل إذن وجود آلهة غير الله عز وجل لأنه يلزم من ذلك اختـلال النظـام في العـالم ، وهذا النوع لا يختلف عن قياس الخلف إلا من جهة التسليم الجدلي  المذكور اقتراضاً وليس حقيقة وواقعاً ([40]).   ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله تعالى يحكي عن الأنبياء وأ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مآل الإسلام في القراءات العلمانية

كتبها د. أحمد إدريس الطعان ، في 24 شباط 2007 الساعة: 21:53 م

 مآل الإسلام في القراءات العلمانية

 

 

د . أحمد إدريس الطعان

كلية الشريعة جامعة دمشق

بريد إلكتروني : Ahmad_altan@maktoob.com

  

 

تمهيد :     

      تتناول المشاريع العلمانية المختلفة الإسلام بحسب خلفياتها الفكرية والأيديولوجية تناولاً مختلفاً ولكنها تتفق جميعاً على أمرين : الأول : أنهم جميعاً يتكلمون وكأنهم مختصون بتفسير الإسلام ومتبحرون في دراسة نصوصه دون اعتبار لكونه ديناً له رؤيته ومصادره التي تحتاج إلى تخصص ودراية وهي غير متوفرة لدى أصحاب هذه المشاريع . والأمر الثاني : أن هذه القراءات جميعها تتفق على طمس الإسلام الحقيقي الذي يدين به المسلمون جميعا ، واعتباره ديناً طواه التاريخ ، وعفى عليه الزمن ، وأصبح مجرد ذكرى ، ومن ثم تسعى لابتكار إسلام جديد لا يمت إلى الأول بأي صلة حتى الاسم لا يراد له أن يستمر لكي لا يفهم الآخرون أننا دوغمائيون ومتخلفون .

      وقد تتبعت المقولات المتصلة بالإسلام في هذه القراءات وحاولت أن أعرض نصوصها بشكل موجزٍ ثم أحلت القارئ الذي يرغب بالتوسع أو التوثق إلى مصادر هذه النصوص ليراجعها في سياقاتها وإطاراتها الكاملة . كما أنني لم أُعن في هذا البحث بمناقشة هذه الأطروحات لأسباب ثلاثة : الأول : أنها دعاوى مجردة عن الاستدلال فهي مزاعم كبيرة جداً بدون أي محاولة للبرهنة .

                والدعاوى إذا لم يقيموا            عليها بينات أصحابها أدعياء

والثاني : أن أي مسلم بل أي عاقل لديه إلمام بالإسلام ومصادره وتاريخه يجد أن ما يطرحه هؤلاء العلمانيون لا يمت إلى الإسلام ، وإنما هو تخرصات من وحي الفلسفة الغربية وحداثتها ، تريد أن تتقمص شخصية الإسلام .

     الثالث : الهدف من هذا البحث هو وضع القارئ أمام التصور العلماني للإسلام ، والمآل الحقيقي الذي ينتهي إليه ، وفضح هذه المشاريع العلمانية وكشف الأقنعة التي تتستر بها ، وتعريتها أمام الباحثين عن الحقيقة . ذلك أن الخطاب العلماني يدرس الإسلام وهو يستظهر الإيمان به كمقدس موحى به ، ولكن التنقيب والاستقصاء يكشف أن المستبطن يناقض ما هو معلن عنه نظرياً ، وهكذا يكشف لنا البحث بالدرجة الأولى التناقض بين الظاهر والباطن في بنية المنظومة العلمانية ، وهو ما يتنكر له الخطاب العلماني إذا ما جوبه به ويعتبره اتهاماً وبحثاً عن النوايا وتفتيشاً عن الضمائر . باختصار : البحث يريد أن يقول للناس : انظروا ماذا يقول العلمانيون عن الإسلام ، وكيف يتعاملون معه علماً أنهم يزعمون الانتماء إليه ؟!   

       وقد اعتمدت في هذا البحث على المصادر الأساسية والمباشرة للخطاب العلماني إلا في حالات نادرة وحرصت على أن أترك النصوص هي التي تتكلم ، وأن يكون منهجي هو المنهج الوصفي الكشفي التركيبي الاستنتاجي حتى لا أتهم بالتجني والتحامل .

       وها هنا ملاحظة مهمة أود أن ألفت النظر إليها لعلها تجنبني الكثير من النقد وسوء الفهم وهي أنني في هذه الدراسة لم أتعامل مع الخطاب العلماني كأشخاص وأفراد متمايزين مختلفين ، وإنما تعاملت معه كمنظومة فلسفية تنتهي إلى جذور واحدة وتستند على أسس متقاربة ، ولذلك تجنبت ذكر الأسماء غالباً في متن الدراسة ، وأحلت إليها في الهوامش ، ولذلك أيضاً كنت أنتقل من نص إلى نص دون اعتبار لقائله ما دام يتكامل مع غيره في داخل السياج الأيديولوجي العلماني .

    لقد أراد البحث إذن أن يكشف عن الوحدة المتخفية وراء التنوع والاختلاف في المنظومة العلمانية ، وأن يصل إلى الجذور الكامنة وراء الأغصان والفروع ، فالتيارات والمدارس العلمانية الليبرالية والماركسية والحداثية والعدمية على الرغم من اختلافها إلا أنها تتفق إلى حد كبير كلما حاولنا الحفر في الأعماق للوصول إلى الجذور المادية والدنيوية التي تغذيها ، ويكون الاتفاق أكثر وضوحاً حين يتعلق الأمر بالدراسات الإسلامية عموماً ، وذلك بسبب التضاد المطلق بين هدف الرسالة الإسلامية وهدف العلمانية الغربية في التعامل مع أسئلة الإنسان الكبرى وقضاياه المصيرية .

      وقد جاء هذا البحث في مطلبين ومطلب ختامي :

المطلب الأول : تكريس تاريخية الإسلام القرآني  .

المطلب الثاني : ترويج الإسلام العلماني الجديد .

المطلب الختامي : النتائج .

 

 

  

المطلب الأول

تكريس تاريخية الإسلام القرآني

أولاً - التورخة من منظور حداثي :

إن الموقف العلماني من الإسلام عموماً ليس  مستغرباً إلا لكونه يصدر من أناسٍ يقولون إنهم مسلمون ، ولكن إسلامهم ليس استثناءً بين الأديان ، فهو ليس إلا مجموعة أساطير مخلوطة من أساطير الشعوب القديمة البابلية ، والسومرية ، والآشورية، والفرعونية ([1]) ، وما هو إلا امتداد للأساطير والوثنيات السابقة كعبادة الإله بعل إله القمر ، لذلك جاءت العبادة العروبية عبادة قمرية ، وتحتفظ إلى اليوم بقدسية القمر، فالشهور قمرية ، والتاريخ قمري ، والصيام قمري، والزمن العربي كله قمري ([2]) .

واحتفظ الإسلام ببعض الشعائر والطقوس من الجاهلية وأديان الشرق الأوسط القديم جداً مثل الحج ، والاعتقاد بالجن ، وتقديس الحجر الأسود ، والختان وعذاب القبر وبعض التصورات الأسطورية الأخرى، واستخدمها من أجل إعادة توظيف نتف متبعثرة من خطاب اجتماعي قديم ، بغية بناء قصر إيديولوجي جديد ([3]) .

 وهكذا يقرر الخطاب العلماني بناءً على ذلك أن الرسالة المحمدية لم تكن أحسن حظاً من سابقاتها ([4]) ، و الإسلام "" بالرغم من ادعاء الإسلاميين والمراقبين الذين ينسخون خطاباتهم دون أن يفككوا بناءها لا يفلت من قواعد التحليل التاريخي والسوسيولوجي ، والأنتربولوجي والفلسفي بكل تأكيد "" (  [5]) .

وهو أي الإسلام كظاهرة دينية لا يختلف عن بقية الأديان وهو ما يتعارض مع الموقف الإيماني العقائدي الموروث ([6]) ، ويعني أركون بأن الإسلام كبقية الأديان في الخضوع للتاريخية بعكس ما يُنظِّر الفكر الدوغمائي الإيماني ([7]) ، وهو سيخضع لمناهج التحليل التاريخي التي خضعت لها المسيحية إذ أن الإسلام لا يختلف عن المسيحية في كونه يقع ضمن الإطار المعرفي للقرون الوسطى ([8]) ، وسيصبح الإسلام بفعل تيار العولمة الذي لا يقاوم وبفعل الحداثة المكتسحة "" شيئاً بالياً لا معنى له "" وسوف يتبخر ويذهب مع الريح ( [9])، وسينهار الإسلام المثالي، ويبقى الإسلام التاريخي للذكرى والدراسة فقط كما حصل للمسيحية ([10]) ، ولكن يبقى منه أنه تجربة تاريخية علينا الاستفادة منها ([11]) . لأنه ظاهرة تاريخية طرأت على المجتمعات البشرية ، وهو مثل الظاهرة الاقتصادية ، أو الظاهرة السياسية ، أو كغيره من الظواهر الاجتماعية لا يجب أن ننظر إليه على أنه ظاهرة فريدة من الأديان ([12]) . كما ينبغي أن نعلم - بنظر أركون -  أن الإسلام كأي عقيدة دينية أو غير دينية ما هو إلا نتاج القوى المحسوسة التي تشكله عقائدياً وأيديولوجياً ( [13]) . "" إنه نتاج الممارسة التاريخية للبشر ، وبالتالي فهو يتطور ويتغير ، إنه يخضع للتاريخية مثله مثل أي شيء على وجه الأرض ، إنه ناتج عن الممارسة التاريخية لفاعلين اجتماعيين شديدي التنوع … كما أنه ناتج عن فعل الشروط التاريخية الشديدة التعقيد عبر الزمان والمكان "" ([14]) .

وعلى ذلك فمن الخطأ أن نؤقنم قيم الإسلام فننظر إليها على أنها حقائق مطلقة ، ومن الخطأ أن ننتزعها من مشروطيتها التاريخية ([15]) ، لأن الإسلام رسالة موجهة إلى أناس بأعيانهم في القرن السابع الميلادي، ولذلك نجد فيها ظواهر ميثية تتناسب مع ثقافة ذلك العصر كالجنة وإبليس والشياطين والملائكة والطوفان وعمر نوح وغير ذلك ، وهي اليوم بعيدة عن التصورات الحديثة ، وليست لها الدلالات ذاتها التي كانت موجودة في ذلك العصر ([16])

وهو ما يعني أن الارتباط بالدين مشروط بالحالة التاريخية التي يعيشها المجتمع أو الفرد، فالمثقف المسيحي كان يؤدي كل طقوس دينه حتى القرن التاسع عشر، ثم تحرر منها بعد الثورة التنويرية والثورة الصناعية ، وهذا ما يتعرض له المسلم اليوم ( [17]) .

وهنا يرى أركون ومترجمه هاشم صالح أن تحقيق الإسلام لمهمته الروحية قد يحصل دون أن تؤدى الطقوس والشعائر بالضرورة ([18]) ، ولذلك يجب تحرير الناس من العقلية الشعائرية ([19]) ، "" فليس من الضروري أن يحتشد الناس جماعات في مسجد لإقامة الصلاة ، ذلك أن الصلاة مسألة شخصية في الإسلام كما في الديانات الأخرى "" ([20]) .

ولكي يتحقق ذلك لابد أن نخرج من الدائرة العقائدية والمعيارية للإسلام الأرثوذكسي ([21]) ، وإعادة تحديد الإسلام بصفته عملية اجتماعية وتاريخية من جملة عمليات وسيرورات أخرى، وبيان الأصل التاريخي للتصرفات والمعطيات والحوادث التي تُقدَّم وكأنها تتجاوز كل زمان ومكان وتستعصي على التاريخ ([22]) . وهذه مهمة التاريخية وهي أن تقوم بالكشف عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي يتولد عنه التراث وأسباب ذلك وأبعاده ([23]) ، وإعادة تفسيره طبقاً لحاجات العصر ([24]) . وهذا الأمر يحتاج إلى جرأة في طرح الأسئلة على التراث ، وجرأة في الإجابة عليها ، مع الحذر من تأثير الإجابات الجاهزة ([25]) ، لأن ما حفظ لنا من التراث هو التراث الرجعي ([26]) .

وكل ما لدينا هو تقليدي الصورة مثل : تشكل المصحف ، والشريعة ، وشخصيات الصحابة والنبي [r  ] ، ونريد الصورة التاريخية أي الحقيقية ، العقلانية "" كما فعل الغربيون بالنسبة للمسيحية الأولى "" ([27]) .

إن الإسلام الشائع اليوم بنظر أركون هو الإسلام السني الأرثوذكسي  وهو ليس إلا تـنظيراً دوغمائياً جاء نتيجة سلسلة من الأعمال المنجزة تاريخياً ([28]) ، ونفس الشيء يقال عن الإسلام الشيعي ([29]) ، فلا يوجد إذن إسلام حقيقي "" لقد خُرِّب تاريخ الإسلام الأولي وأُفسد إلى الأبد "" ([30])، وما قُدّم إلينا ما هو إلا الإسلام الرسمي السلطوي ([31]) .

و "" تغيرت معالم الإسلام الأساسية ، وملامحه المحددة ، وسماته الذاتية ، وصفاته الخاصة ، وحلت بدلاً منها معالم أخرى مخالفة تماماً ، ومناقضة كلية ، ومضادة على الإطلاق، واستُبدلت بالمعالم الأساسية للإسلام معالم أخرى خاطئة وفاسدة ودخيلة "" ([32]) "" وانزلق الإسلام إلى مهوىً خطير ، وانحدرت الشريعة إلى مسقط عسير "" ([33]) .

ثانياً التورخة من منظور ماركسي :

أما بنظر الاتجاه الماركسي العربي فقد كان الإسـلام "" ثورة تعمل على تغيير المجتمع وتطويره اقتصادياً وطبقياً وسياسياً ودينياً طبقاً لأنظمة وعلاقـات ومبادئ وعقائد جاءت بها حلاً للتناقضات الحادة التي كانت تعتمل في كيان المجتمع العـربي بخاصة والإنسانية بعامة "" ([34]) .

 والقرآن كتاب الثورة الإسلامية الكبرى والمعبر عنها ومصدر المعرفة الأول لنظرية هذه الثورة ([35]) ، والقراء المستنيرون أمثال مصعب بن عمير انضموا إلى الثورة ، وتخلوا عن طبقاتهم المترفة،  ولم يجد النبي r  أكفأ من القراء يمثلونه وينوبون عنه في ممارسة ذلك العمل الخطير، الذي لم يكن شيئاً سوى إعادة بناء شخصية الفرد العربي وإعادة تخطيط المجتمع العربي في وقت واحد ([36]) . ولتأمين الثورة ضد المؤامرات الرجعية والوثنية انتقل مركز الثورة ومقر قيادتها من مكة إلى المدينة ([37]) ، ثم كان عمر القائد التالي للثورة ([38]) . وبذلك يكون الإسلام ثورة عربية خاصة بالعرب ومن الخطأ أن نعممه ([39]) ، وليس الإسلام إلا فرعاً للعروبة ، وليس هو إلا طوراً من أطوار المسيرة العربية ( [40]) . والله عز وجل معبود عربي ، وأول بيت بني له بأرض العرب من قبل أن يكون الإسلام، وهكذا نستطيع أن نذهب إلى عروبة المُرسِل للرسالة التي تعرف باسم الإسلام (  [41]) .  فا "" الإسلام ليس إلا النظام الديني للأمة العربية أولاً وقبل كل شيء ، النظام الذي نزل من السماء ليكون البديل عن الأنظمة الأخرى التي كانت الأمة العربية تمارس حياتها على أساس منها "". "" والعرب في كل مكان يرون الإسلام ديناً قومياً لهم، قبل أن يكون ديناً عالميـاً لكل الناس "" . "" والله حاضر في ذهن الإنسان العربي قبل أن يكون الإسـلام ، فالعـروبة هي الأصل والإسـلام هو الفرع "" ([42]) .

وهكذا وطبقاً للتحليل الماركسي يوصف الإسلام بأنه حركة محمدية   ([43])أو ثورة ([44])  يقارن بينها وبين الثورة البلشفية والثورة الفرنسية ( [45]) وأن محمداً r  تجسدت في داخله أحلام الجماعة البشرية التي ينتمي إليها ، فهو إنسان لا يمثل ذاتاً مستقلة منفصلة عن حركة الواقع ، بل إنسان تجسدت في أعماقه أشواق الواقع ، وأحلام المستقبل ( [46]) .

وبما أن التوحيد نتيجة للتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فإن التوحيد اليهودي الذي ظهر في جزيرة العرب غير ممكن لأنهم متخلفون ، أما توحيد أخناتون فقد كان بسبب وجود بنية تحتية متقدمة ([47]) .

ولكن أوضاع الجزيرة العربية الاقتصادية والاجتماعية وبخاصة مكة ، دخلت مرحلة متسارعة من التغيرات الكيفية الناتجة عن تغيرات عديدة متراكمة ، ومرتبطة بظروف أدت إليها، مما هيأ مكة للتحول من كونها مجرد استراحة ومنتدى وثني دنيوي على الطريق التجاري ، للقيام بدور تاريخي حتَّمتْه مجموعة من الظروف التطورية في الواقع العربي والعالمي ، وكان ذلك الدور هو توحيد عرب الجزيرة في وحدة سياسية مركزية كبرى ([48]) .

فكان الأحناف تجسيداً لنزوع ما لاتجاه جديد في رؤية العالم في هذه الثقافة ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم جزءاً من هذا الاتجاه ( [49]). ولم يكن متشدداً مثل زيد بن عمرو بن نفيل فكان يتقبل الأكل مما ذبح على النصب لأنه كان ينتمي إلى ثقافة وواقع ومجتمع ( [50]).

وتهيأت مكة لقبول فكرة الإله الواحد ، ومن هنا يكون توحيد الأديان في إله واحد قد جاء عند الرواد الحنيفيين كناتج طبيعي لهدير الواقع ، وقد حتمت الظروف ، وتضافـرت الأحـداث بحيث صبت الأقـدار في يد قريش ، وفي البـيت الهاشمي الذي أخـذ على عاتقه تحقيق هذا الأمـر العظيم ( [51]) .

 "" ولم يجد الآخرون [ يقصد أقارب النبي صلى الله عليه وسلم ] سوى الاهتداء إلى أنه لا حل سوى أن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبياً مثل داوود"" ( [52])."" واتبع محمد صلى الله عليه وسلم خطا جده كما اتبع خطواته من قبل إلى غار حراء ، وأعلن أنه نبي الفطرة "" ([53]

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أخلاق القوة - الفلسفة والتطبيق

كتبها د. أحمد إدريس الطعان ، في 23 شباط 2007 الساعة: 17:44 م

 

أخلاق القوة

الفلسفة والتطبيق

د. أحمد إدريس الطعان

كلية الشريعة – جامعة دمشق

          بريد إلكتروني :   ahmad_altan@maktoob.com

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المحور التمهيدي

      من الأنسان نبدأ ، فالإنسان هو محور هذه الحياة ومنطلقها، وهو المخلوق المكرم ،  } ولقد كرمنا بني آدم { [ سورة الإسراء آية : 70 ] والمفضل ،  } وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً { [ سورة الإسراء آية 70 ] والمسوَّد ، والمميز بالعقل ، وهو يمكن أن يرتفع بنفسه ليقارَن بالملأ الأعلى ، في مقعد صدق ، ويباهَى به الملائكة . كما يمكن أن ينحط بنفسه فيصبح أدنى من البهائم  } أولئك كالأنعام بل هم أضل { [ سورة الأعراف آية 179 ] .

    هذا الإنسان الخليفة } إني جاعل في الأرض خليفة { [ سورة البقرة آية 30 ] وهذا الإنسان المكرم متعه الباري عز وجل بحقوق لا يحق لأحد أن يعتدي عليها أو يهضمها ، وعليه واجبات لا بد أن يزاولها، وفي العصر الحديث يُرفع شعار حقوق الإنسان ، ويُغض النظر عن واجبات الإنسان ، ويصفق كثير من المسلمين لهذا الشعار - حقوق الإنسان- ، دون أن يسألوا أنفسهم من هو الإنسان صاحب هذه الحقوق ، وما هو مفهوم الإنسان عند من شرع لهذه الحقوق ؟    وما هو مفهوم الحق في منظور المشرعين لهذا المبدأ ، وما هي الخلفية الفكرية والفلسفية التي أنضجت هذه المبادئ ، وأثمرت هذا الشعار ؟

   إن الإنسان المقصود في المبدأ العالمي المطروح في الهيئة الكبرى لهذا العالم ليس هو نفسه الإنسان المقصود في منظور إسلامنا وديننا ، الإنسان المقصود في الميثاق العالمي هو الإنسان المادي الذي لا يؤمن بألوهية ولا وحي ولا غيب ولا يوم أخروي يقف فيه الناس للجزاء .

    إنه الإنسان الآلة الميكانيكية الخالية من أي بعد ميتافيزيقي أو روحاني ، إنه الإنسان الذي تقف حدود عقله في داخل هذا الكون المنظور المحسوس، وهو الإنسان الذي تقف حدود أمانيه ورغباته في داخل هذه المادة المتلاشية ، وهو الإنسان الذي لا يطمع في مستقبل آخر وآمال أخرى خارج هذه الأرض وخارج حدود هذا الكون .

    بينما في إسلامنا فإن الإنسان هو المؤمن بالغيب وبالله الواحد الأحد ، وبالعالم الآخر ، ويعتبر حياته في هذه الدنيا هي الفصل الأول من المسرحية التي لن تتم إلا بإسدال الستار على عالم التكليف ، والانتقال إلى عالم الجزاء .

   وفي الميثاق العالمي لحقوق الإنسان يٌعتبر الإنسان هو سيد الكون ، ويده هي اليد الطولى فيه ، له أن يتصرف فيه كيف يشاء ، وبالحدود التي يوحي بها إليه عقله وضميره له أن يلوث البيئة ، وله أن يستنسخ البشر ، ويجن البقر ، وله أن يدفق النفايات النووية ، وأن يلوث البحار ، وأن يعبث في الكون كيفما يشاء . بينما في الإسلام فإن الإنسان ليس هو سيداً للكون ، وإنما هو سيد في الكون ، والفارق بين الأمرين عظيم ، فكونه سيدٌ للكون يعني أنه هو المتصرف فيه ، والمالك له ، بينما حين يكون مسوداً في الكون فهو بمثابة الوالي المكلف بتصريف شؤون ولايته طبقاً لتعاليم مولاه ، ولا يحق له أن يصدر قراراته بنفسه وإنما ينفذ قرارات مولاه . [ راجع لأستاذنا العلامة الدكتور سعيد رمضان البوطي محاضرته القيمة التي  ألقاها في لندن بعنوان : أيهما أقدر على حماية حقوق الإنسان الله أم الإنسان ؟ . دار الفكر   دمشق ] .

     أما المجتمعات الغربية ودعاة الحداثة فيقررون أن الإنسان ذاته هو الأولى برعاية هذه الحقوق ، وأما الإسلام فيؤكد أن رعاية هذه الحقوق هي لمن بيده الملك والأمر وهو الذي استخلف الإنسان على هذه الأرض ومتعه بالسيادة فيها . [ راجع للدكتور سعيد رمضان البوطي " الله أم الإنسان " ص 9 ] .

     إن سيادة الإنسان وحقوقه في الإسلام في هي خلعة إلاهية وتكريم رباني ، وأما في النظم الوضعية فهو حق ذاتي له ، استوجبه بذاته ولذاته ، ودون فضلٍ لأحدٍ عليه . وقد اقتضى ذلك أنه في هذه النظم الحديثة فإن الإنسان هو الذي يشرع لنفسه ولبني جنسه ، وأما في الإسلام فإن الإنسان مُستخلَف ومُكرَّم بخلعة التسويد ، وعليه أن يقابل ذلك بالخضوع والعبودية لمن بيده الملك والخلق والأمر . [ المرجع السابق ص 13 14 ] .

 

المحور الأساسي

أولاً - الفلسفة اليونانية :

إن الإنسان إذا لم يتشبع بالعبودية الخالصة لله عز وجل فإنه يمكن أن يجازف بأي تصرف ، ويبرر كل رغباته وأهوائه بالفلسفة أو بالعلم أو بالعقل أو حتى بالدين ..

       وما يحصل اليوم في العالم المعاصر من ظلم  وقهر وعدوان واستعمار لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمارسه الإنسان المتعبد المؤمن ، فما هو إلا نزوات ، وأطماع ، وغرائز وأهواء انساق إليها الإنسان بسائق من الأنانية والطمع والجشع ، أو هو استكبار وتفرعن تملك الأنفس المتمردة ، وطغيان وجبروت استحوذ على الذوات المتجردة عن كينوناتها الإنسانية .

إن العالم الذي يوصف بأنه عالم متحضر اليوم هو الذي يمسك بزمام العالم على المستوى المادي المشاهد والملموس ، وهو الذي يتحكم بمصير الحياة البشرية كما يبدو ، وكما نلاحظ فإن العولمة التي تُطرح أو تُفرض ما هي إلا نتاج فلسفة نمت وترعرعت في ذلك الوسط من العالم  وإذا تأملنا في تاريخ هذه الفلسفة فإننا سنجد أنها تقوم - في أغلبها -على مبدأ الأخلاق النفعية ، فليس هناك أي قيمة ذاتية للأخلاق وإنما تنبع قيمتها من مدى ما تحققه من أغراض على مستوى المادة  أي الحياة المنظورة .

وسنحاول نحن هنا أن نقرأ بشكلٍ موجزٍ تاريخ الفلسفة في الغرب منذ أقدم عصورها إلى اليوم  ، ثم ننظر في الانعكاسات الواقعية التي نتجت عن هذه الفلسفة ، ونبدأ بالسوفسطائيين الذين أقاموا الأخلاق على ثلاثة أسس هي :

1 القوة : فالحق هو القوة ، والقانون من اختراع الضعفاء ليخدعوا به الأقوياء .

2 اللذة : فالغاية الأساسية للأخلاق هي تحقيق أكبر قدر ممكن من اللذة .

3 النسبية : فكل ما تراه أنت حقاً فهو كذلك بالنسبة لك ، وكذلك كل ما أراه أنا فهو كما أراه .

 ثم جاء بعدهم أفلاطون فأقام الأخلاق على أربعة أسس :

1 الحاجة : الحاجة هي أساس الدولة عند افلاطون وعند فلاسفة اليونان عموماً  إذ أن الأخلاق ضرورية من أجل استقامة الدولة  ، ولحاجة الناس بعضهم إلى بعض .

2 القوة : ولذلك لا مكان في جمهورية أفلاطون للضعفاء والمعوقين والمشوهين وعلى الدولة أن تتخلص من هؤلاء لأنهم يشكلون عبئاً عليها .

4 العنصرية : وهي مسألة لم يستطع فلاسفة اليونان التخلص منها ، ولذلك أجازوا لليوناني أن يسترق الأجناس الأخرى ومنعوه من استرقاق اليوناني ، وأجازوا للدولة اليونانية أن تبيد الدول الأجنبية ، بينما عليها أن تترفق بالمقاطعات اليونانية المتحاربة معها ، واليوناني ممزوج بالذهب بينما بقية الأجناس ممزوجة إما بالنحاس أو بالفضة .

وعند أرسطو  بعض الشعوب أذكياء وتنقصها الشجاعة وبعضها شجعان وينقصها الذكاء بينما اليونان فقط هم الذين يجمعون بين الذكاء والشجاعة .

جاء بعد ذلك أبيقور فلم يكتف بأن اعتبر اللذة هي غاية الأخلاق وإنما اعتبر اللذة هي الخير المطلق .[ راجع د. عبد المقصود عبد الغني  الأخلاق بين فلاسفة اليونان وحكماء الإسلام ص 119 وراجع أيضا أحمد أمين وزكي نجيب محمود "  قصة الفلسفة اليونانية "  ] .

ثم تنتهي رحلة الفلسفة اليونانية بالشكاك الذين أعلنوا عجز العقل عن الوصول إلى اليقين ، ولم تكن فلسفتهم هذه سفسطة كما كانت لدى أسلافهم السوفسطائيين ، وإنما أعلنوا أن الشك هو المعتقد النهائي ، بمعنى أن الشك لم يعد وسيلة ، أو طريقاً للوصول بعد ذلك إلى اليقين ، ولم يعد مرحلة مؤقتة ينتقل الإنسان بعدها إلى المبدأ الراجح ، وإنما أصبح الشك هو نهاية العقل ونهاية البحث والمعرفة .  [ راجع : يوسف كرم " تاريخ الفلسفة اليونانية " ص 234-241 و " قصة الفلسفة اليونانية " لأحمد أمين وزكي نجيب محمود ص 307 ] .

ثانياً - الفلسفة الغربية الحديثة :

سوف نقفز قفزة مديدة نتجاوز فترة ألف سنة هي فترة العصر الوسيط والتي تعتبرها أوربا فترة ظلام في تاريخها لنطل الآن على عصر النهضة وعصر التنوير ، ثم عصر الحداثة ، وسنحاول أن نبحث عن مبتغانا وهو الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق في هذه الفلسفة التي وسمت بأنها فلسفة النهضة ، وفلسفة الأنوار وهي التي أنتجت بعد ذلك الحضارة الحديثة .

ونبدأ بأقدم وأعظم فلاسفة التنوير وهو مكيافللي 1469 1527 م :

1 - لقد وجه مكيافللي ضربة قوية للأخلاق المسيحية لأنها بنظره أوهنت من عزيمة الإنسان وأسلمت الدنيا لأهل الجرأة والعنف . ولذلك فهو يفضل الوثنية على المسيحية لأن الوثنية بنظره تمجد الصحة والجاه والقوة وتضفي هيبة على القادة والأبطال ، بينما المسيحية تحض على التواضع والضعف . وهكذا بعد ألف سنة من سيادة المسيحية التي رفعت شعاري المحبة والتواضع حين قال المسيح عليه السلام " من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر  " يعود مكيافللي ليستعيد مبدأ السوفسطائيين والإغريق عموماً في تكريس أخلاق القوة .

2 - والأساس الثاني للأخلاق عند مكيافللي هو أن الغاية تبرر الوسيلة ، ولذلك يجب على الحاكم بنظره أن يكون ماكراً مكر الذئب ، ضارياُ ضراوة الأسد ، غادراً غدر الثعلب ، وأن يتعلم كيف يبتعد عن الطيبة والخير ، وأن يحسن استخدام مبدأ فرق تسد ، من أجل المحافظة على سلطانه ولكن عليه في نفس الوقت أن يكون ماهراً في إخفاء صفاته المرذولة ، بارعاً في الرياء وإظهار الصفات الحميدة ، بل وحتى التدين الشديد . [ راجع : كافين رايلي " الغرب والعالم " ص 13 وبرتراند رسل " تاريخ الفلسفة الغربية " ص 28 ] . 

 وأعتقد أن نظرة تأمل في السياسة العالمية اليوم سيجد أنها محكومة بهذه الأخلاق المكيافللية التي تزيد القوي قوة والضعيف ضعفاً " .

هذه الأخلاق الثعلبية المكيافللية اكتملت بعده بقرن من الزمان حين آزرتها ذئبية توماس هوبز 1588 1679 فإذا كان مكيافللي قد اجتر من الفلسفة اليونانية أخلاق القوة السوفسطائية وأضاف إليها أن القوة تبرر الوسيلة فإن توماس هوبز قرر أن يجتر من الفلسفة اليونانية الأخلاق الأبيقورية القائمة على مبدأ اللذة ، وأضاف إليها الأنانية ، وتناول ذلك تحت عنوان الذئبية الإنسانية ، فاعتبر الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان ، فإن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب ، فالأخلاق يجب أن تقوم على المادة والمنفعة وأخلاق السوق .

[ انظر : كافين رايلي " الغرب والعالم " ص 40 وروبرت أغروس " العلم في منظوره " ص 79 ، 80  ] .

إلا أن أبرز ممثل لأخلاق القوة في الفلسفة الغربية الحديثة هو فريدريك نيتشه 1844 1900م  والذي اجتمع لديه كل ما كان من تراث فلسفي سابق يحض على القوة ويدعو إليها، بالإضافة إلى تأثره الشديد بنظرية داروين في الانتخاب الطبيعي ، والبقاء للأقوى ، فطرح نيتشه مبدأ الإنسان الأرقى أو الأقوى واستوحى ذلك من فلسفة زرادشت ، واستعان بعلم الأحياء الدارويني ، وأُعجب جداً ببسمارك ونابليون .

ويعتبر نيتشة صاحب الإعلان الشهير عن موت الله سبحانه وتعالى ، لأن وجود الله سبحانه وتعالى بنظره يحول دون تأكيد الإنسان لذاته ، ولذلك كان يقول ، لو كان هناك إله فكيف أطيق أن لا أكون إلهاً .

وسخر من الضعفاء والفقراء الذين يحسبون أنهم صالحين ، لأنهم لا يملكون مخالب لينشبوها في أعناق الآخرين ، وحارب كسلفه مكيافللي المسيحية لأنها تحض على أخلاق الرقيق ، وأخلاق العبيد كالحب والتسامح والغفران والتواضع ، وقال عن العهد الجد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العرب صم بكم عمي

كتبها د. أحمد إدريس الطعان ، في 9 أغسطس 2006 الساعة: 14:39 م

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب    فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb